عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

256

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

على الخصوص فما كلّ قلب يستفتي ، ولا كل قلب يفتي بالصواب ، فهذا يراد به بعض القلوب لا كلها ، فتلك اللطيفة الاعتقادية بحقيقة الأمر الذي هم فاعلوه قادتهم إلى ظهور حقيقة الأمر على ذلك المنهج في الآخرة ، وقال تعالى : كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ « 1 » يعني في الدنيا والآخرة ، لأن الاسم لا ينفكّ عن المسمى فهو سماهم بأنهم فرحون ووصفهم بهذا الوصف ، والوصف غير مغاير للموصوف ، بخلاف ما لو قال : فرح كل حزب بما لديهم ، كان هذا صيغة الفعل ، ولو قال : يفرح على صيغة المضارع كان يقتضي الانصرام ، وأما الاسم فهو لدوام الاستمرار ، فهم فرحون في الدنيا بأفعالهم ، وفرحون في الآخرة بأحوالهم ، فهم دائمون في الفرح بما لديهم ، ولهذا لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه بعد إطلاعهم على ما ينتجه من العذاب لما وجدوه من اللطيفة الملذوذة في ذلك ، وهي سبب بقائهم فيه ، فإن الحق تعالى من رحمته إذا أراد تعذيب عبد بعذاب في الآخرة أوحد له في ذلك العذاب لذّة غريزية يتعشق بها جسد المعذب لئلا يصح منه الالتجاء إلى اللّه تعالى والاستعاذة به من العذاب ، فيبقى في العذاب ما دامت تلك اللذة موجودة له ، فإذا أراد الحق تخفيف عذابه فقده تلك اللذة فيضطرّ إلى الرحمة ، وهو تعالى شأنه أنه يجيب المضطر إذا دعاه ، فحيئنذ يصح منه الالتجاء إلى اللّه تعالى والاستعاذة به ، فيعيذه الحق من ذلك ، فعبادة الكفار له عبادة ذاتية ، وهي وإن كانت تئول بهم إلى السعادة فإنها طريق الضلال لبعد حصول سعادتها ، فإنه لا تنكشف لصاحبها الحقائق إلا بعد خوض طباق النار الأخروية جميعها جزاء بما خاض في الدنيا طباق النار الطبيعية بالأفعال والأحوال والأقوال على مقتضى البشرية ، فإذا استوفى ذلك قطع طريقه إلى اللّه تعالى ، لأنه نودي من بعد فيصل ذلك إلى سعادته الإلهية ، فيفوز بما فاز به المقرّبون من أول قدم ، لأنهم نودوا من قرب فافهم . وأما الطبائعية فإنهم عبدوه من حيث صفاته الأربع ، لأن الأربعة الأوصاف الإلهية التي هي الحياة والعلم والقدرة والإرادة ، أصل بناء الوجود ، فالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة مظاهرها في عالم الأكوان ، فالرطوبة مظهر الحياة ، والبرودة مظهر العلم ، والحرارة مظهر الإرادة ، واليبوسة مظهر القدرة ، وحقيقة هذه المظاهر ذات الموصوف بها سبحانه وتعالى ؛ فلما لاح لسائر أرواح الطبيعيين تلك اللطيفة الإلهية

--> ( 1 ) آية ( 32 ) سورة الروم .